العيني

93

عمدة القاري

الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وَعُقُوبَتِهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهَ إلَيْهِ مِمَّا أمامَهُ ، كَرِهَ لِقاءَ الله وكَرِهَ الله لِقَاءَهُ ) . قد ذكرنا أن الترجمة جزء الحديث فلا مطابقة أوضح من هذا . وحجاج هو ابن المنهال البصري ، وهو من كبار شيوخ البخاري مات سنة سبع عشرة ومائتين ، وهمام هو ابن يحيى ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي . والحديث أخرجه مسلم في الدعوات عن هدبة بن خالد وغيره . وأخرجه الترمذي في الزهد عن محمود بن غيلان وفي الجنائز عن أبي الأشعث أحمد بن المقدم . وأخرجه النسائي في الجنائز عن أبي الأشعث . قوله : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ) قال الكرماني : ليس الشرط سبباً للجزاء بل الأمر بالعكس ، ثم قال : مثله يؤول بالأخبار أي : من أحب لقاء الله أخبره الله بأن الله أحب لقاءه ، وكذلك الكراهة . انتهى . وقيل : من ، خبرية وليست بشرطية ، وليس معناه : أن سبب حب الله لقاء العبد حب لقائه ولا الكراهة ، ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم وعند ربهم ، والتقدير : من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه ، وكذا الكراهة . انتهى . قلت : حديث أبي هريرة الذي يأتي في التوحيد مرفوع ، قال الله تعالى : ( إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ) يدل على أن : من ، شرطية فلا وجه لنفيها . وقال النووي : الكراهة المعتبرة هي التي تكون ، عند النزع في حالة لا تقبل التوبة ، فحينئذٍ يكشف لكل إنسان ما هو صائر إليه ، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعد الله لهم . ويحب الله لقاءهم ليجزل لهم العطاء والكرامة ، وأهل الشقاوة يكرهونه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي : يبعدهم عن رحمته ولا يريد لهم الخير وقال الخطابي : اللقاء على وجوه . منها : الرؤية ومنها : البعث كقوله تعالى : * ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) * ( الأنعام : 13 ويونس : 54 ) أي : بالبعث : ومنها : الموت كقوله : من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ، وقال ابن الأثير في ( النهاية ) : المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله ، وليس الغرض به الموت ، لأن كلا يكرهه ، فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ، ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه إنما يصل إليه بالموت . قوله : ( أو بعض أزواجه ) كذا في هذه الرواية بالشك ، وجزم سعيد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي قالت ذلك ولم يتردد فيه . قلت : روى مسلم هذا الحديث عن هداب ابن خالد عن همام مقتصراً على أصل الحديث ولم يذكر في هذه الرواية هذه الزيادة أعنى قوله : ( قالت عائشة أو بعض أزواجه . . . ) إلى آخره ، ثم أخرجه من رواية سعيد بن أبي عروبة موصولاً فكأن مسلماً حذف الزيادة عمداً لكونها مرسلة من هذا الوجه ، واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة ، وقد أشار البخاري إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله : اختصره . . . إلى آخره على ما يأتي ، وكذا أشار إلى رواية سعيد بن أبي عروبة تعليقاً ، وهذا من العلل الخفية جداً . فإن قلت : هذه الزيادة لا تظهر صريحاً : هل هي من كلام عبادة على معنى أنه سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمع مراجعة عائشة رضي الله تعالى عنها ، أو من كلام أنس على معنى أنه حضر ذلك ، أو من كلام قتادة أرسله في رواية همام ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة ، فيكون في رواية همام إدراج . قلت : هذه الاحتمالات لا ترد ، فلذلك قال البخاري عقيب الحديث المذكور : اختصره أبو داود . . . إلى آخره ، وهذا من صنيعه العجيب . قوله : ( مما أمامه ) بفتح الهمزة أي : مما قدامه من استقبال الموت ، وقال الكرماني : مما أمامه متناول للموت أيضاً ثم قال : فإن قلت : قد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً وأثبته عموماً فما وجهه ؟ . قلت : نفى الكراهة التي هي حال الصحة وقبل الاطلاع على حاله ، وأثبت التي هي في حال النزع وبعد الاطلاع على حاله ، فلا منافاة . قوله : ( حضر ) على صيغة المجهول وكذلك قوله : ( بشر ) ، قوله : ( كره لقاء الله ) ويروى : فكره ، بالفاء . اخْتَصَرَهُ أبُو دَاوُدَ وعَمْرٌ وعنْ شُعْبَةَ وقال سَعِيدٌ : عنْ قَتادَةَ عنْ زُرارَةَ عنْ سَعْدٍ عنْ عائِشَةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أي : اختصر الحديث المذكور أبو داود سليمان الطيالسي ، وعمرو بن مرزوق الباهلي ، فرواية أبي داود أخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي داود بلفظ أبي موسى الذي يأتي هنا من غير زيادة لا نقصان ، ورواية عمرو بن مرزوق أخرجها